ابن عربي

264

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

غير خالقه فقد أفطر في الزمان الذي يجب أن يكون فيه صائما إيثارا لربه . واعلم علمك اللّه من لدنه علما ، وجعل لك في كل أمر حكمة وحكما ، أن رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى ، وهو الصمد ، ولما كان مجيء رمضان سببا في الشروع في الصوم ، فتح اللّه أبواب الجنة ، والجنة الستر ، فدخل الصوم في عمل مستور لا يعلمه منه إلا اللّه تعالى ، لأنه ترك وليس بعمل وجودي فيظهر للبصر ، أو يعمل بالجوارح ، فهو مستور عن كل ما سوى اللّه ، لا يعلمه من الصائم إلا اللّه تعالى ، والصائم الذي سماه الشرع صائما لا الجائع ، وغلّق اللّه أبواب النار ، فإذا أغلقت أبواب النار عاد نفسها عليها ، فتضاعف حرها عليها وأكل بعضها بعضا ، كذلك الصائم في حكم طبيعته إذا صام غلق أبواب نار طبيعته ، فوجد الصائم حرارة زائدة لعدم استعمال المرطبات ، ووجد ألم ذلك في باطنه ، وتضاعفت شهوته للطعام الذي يتوهم الراحة بتحصيله ، فتقوى نار شهوته بغلق باب تناول الأطعمة والأشربة ، وصفّدت الشياطين ، وهي صفة البعد ، فكان الصائم قريبا من اللّه بالصفة الصمدانية ، فإنه في عبادة لا مثل لها ، فقرب بها من صفة ليس كمثله شيء ، ومن كانت هذه صفته فقد صفدت الشياطين في حقه ، ومتى طلع هلال المعرفة في أفق قلوب العارفين من الاسم الإلهي « رمضان » وجب الصوم ، ومتى طلع هلال المعرفة في أفق قلوب العارفين من الاسم الإلهي « فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » * وجب الفطر على الأرواح من قوله « السماوات » وعلى الأجسام من قوله « والأرض » واعتبار السفر فإن السالك هو المسافر في المقامات ، والمسافر إلى اللّه يسافر ليشهده ، فما هو في حال شهود ، والمريض مائل عن الحق ، لأن المرض النفسي ميل النفس إلى الكون .

--> أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » أي الذي أنزل في شأنه القرآن ، يريد بذلك قوله تعالى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) يقال نزل القرآن في شأن عمر بكذا وكذا ، وقوله : « هُدىً لِلنَّاسِ » منصوب على الحال والعامل فيه أنزل « وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ » ودلائل واضحات يهتدي بها ، ويفرق بها بين الحق والباطل ، ثم قال : « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » يقول : من كان حاضرا في أهله مقيما فليصمه « وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ » يقول : أو في سفر ، أو على عزم سفر إذا دخل مدينة وأقام بها لشغل يقتضيه وهو عازم على السفر في كل يوم وقد يستروح منه فطر المسافر يوم خروجه قبل خروجه وأن لا يبيت الصوم من الليلة التي عزم